محمد جمال الدين القاسمي
339
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فتكلموا فيها بالكتاب والسنة . وإنما تكلم بعضهم بالرأي في مسائل قليلة . والإجماع لم يكن يحتج به عامتهم ولا يحتاجون إليه . إذ هم أهل الإجماع ، فلا إجماع قبلهم . لكن لما جاء التابعون كتب عمر إلى شريح : اقض بما في كتاب اللّه . فإن لم تجد ، فبما في سنة رسول اللّه . فإن لم تجد ، فبما قضى به الصالحون قبلك . وفي رواية : فبما أجمع عليه الناس . فقدم عمر الكتاب ثم السنة : وكذلك ابن مسعود قال مثل ما قال عمر . قدّم الكتاب ثم السنة ، ثم الإجماع . وكذلك ابن عباس كان يفتي بما في الكتاب ثم بما في السنة ثم بسنة أبي بكر وعمر . لقوله « 1 » : اقتدوا باللّذين من بعدي : أبي بكر وعمر . وهذه الآثار ثابتة عن عمر وابن مسعود وابن عباس . وهم من أشهر الصحابة بالفتيا والقضاء . وهذا هو الصواب . ولكن طائفة من المتأخرين قالوا : يبدأ المجتهد ينظر أولا في الإجماع . فإن وجده لم يلتفت إلى غيره . وإن وجد نصّا خالفه اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه . وقال بعضهم : الإجماع نسخه . والصواب طريقة السلف . وذلك لأن الإجماع إذا خالفه نص فلا بد أن يكون مع الإجماع نص معروف به أن ذاك منسوخ . فأما أن يكون النص المحكم قد ضيعته الأمة ، وحفظت النص المنسوخ ، فهذا لا يوجد قط . وهو نسبة الأمة إلى حفظ ما نهيت عن اتباعه . وإضاعة ما أمرت باتباعه . وهي معصومة عن ذلك . ومعرفة الإجماع قد تتعذر كثيرا أو غالبا . فمن الذي يحيط بأقوال المجتهدين ؟ بخلاف النصوص ، فإن معرفتها ممكنة متيسرة . وهم إنما كانوا يقضون بالكتاب أوّلا . لأن السنة لا تنسخ الكتاب . فلا يكون في القرآن شيء منسوخ بالسنة . بل إن كان فيه منسوخ ، كان في القرآن ناسخه . فلا يقدم غير القرآن عليه . ثم إذا لم يجد ذلك طلبه في السنّة . ولا يكون في السنة شيء منسوخ إلا والسنة نسخته . لا ينسخ السنة إجماع ولا غيره . ولا تعارض السنة بإجماع . وأكثر ألفاظ الآثار . فإن لم يجد فالطالب قد لا يجد مطلوبه في السنة . مع أنها فيها . وكذلك في القرآن . فيجوز له إذا لم يجده في القرآن أن يطلبه في السنة . وإذا كان في السنة لم يكن ما فيه السنة معارضا لما في القرآن . وكذلك الإجماع الصحيح لا يعارض كتابا ولا سنة . انتهى كلامه قدس اللّه روحه .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذيّ في : المناقب ، 16 - في مناقب أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، كليهما . ونصه : عن حذيفة رضي اللّه عنه قال : كنا جلوسا عند النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : « إني لا أدري ما بقائي فيكم ، فاقتدوا باللذين من بعدي » وأشار إلى أبي بكر وعمر .